الأحد 01 شوال 1438

 

 

نداء الإمام الخامنئي بمناسبة العام الإيراني الجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

يا مقلب القلوب و الأبصار، يا مدبِّر الليل و النهار، يا محوّل الحول و الأحوال، حوِّل حالنا إلی أحسن الحال.

أبارك عيد النوروز السعيد الذي كان هذا العام قريب الزمن من أيام ولادة سيدنا خاتم الأنبياء ( صلی الله عليه و آله و سلم ) و الإمام جعفر الصادق ( عليه الصلاة و السلام ) و اكتسب مزيداً من الشرف بفضل قربه من هذه الأيام المباركة، أباركه لجميع أبناء وطننا الأعزاء في كل أرجاء البلاد، و كذلك للإيرانيين الساكنين في كل بلدان العالم الأخری، و كذلك لشعوب البلدان التي تعتز و تحتفل بعيد النوروز. و أباركه خصوصاً لعوائل الشهداء و المضحّين و المعوقين الكريمة، و أتمنی أن يعيش الجميع سنة طيبة مباركة.

عام 87 الذي انقضی علينا كان عاماً زاخراً بالأحداث، سواء علی صعيد القضايا الدولية أو علی صعيد قضايا البلاد الداخلية. علی المستوی الدولي وقعت أحداث كبيرة و مهمة كان لها دون شك تأثيرات عميقة علی مجمل السياسات العالمية. و منها، علی المستوی الاقتصادي، الأزمة المالية و الاقتصادية الكبری التي ابتدأت من بلد أمريكا ثم سرت إلی أوربا و سائر البلدان بما في ذلك بلدان منطقتنا. كانت هذه القضية مهمة جداً بالنسبة للناس في العالم فقد تركت آثارها لا في حياتهم اليومية و برامجهم الاقتصادية و حسب، بل و كان لها علی أغلب الظن تأثيرات عميقة في تصوراتهم بشأن النظريات الاقتصادية و الاقتصاد الرأسمالي.

و لحسن الحظ استطاع بلدنا و شعبنا أن ينأی بنفسه إلی حد كبير عن الآثار الضارة لهذا الطوفان العالمي العنيف، و يجب طبعاً مواصلة الحذر اللازم منه.

من جملة القضايا العالمية و الأقليمية المهمة في العام الماضي قضية هجوم الكيان الصهيوني علی غزة التي سمّرت كل عيون العالم عليها. و قد نظر البعض لهذه الواقعة من زاوية عنادهم و حقدهم القديم حيال المقاومة الإسلامية و قضية فلسطين، و من هؤلاء ساسة الكثير من البلدان الغربية. و نظر البعض للمسألة من زاوية مناصرة الشعب الفلسطيني المظلوم و أهالي غزة. بيد أن النتائج التي ترتبت علی هذا الهجوم الظالم اللئيم كانت مذهلة بالنسبة للعالم كله. قاوم أهالي غزة العزل 22 يوماً، و هاجمهم الكيان الصهيوني بكل قواه لمدة 22 يوماً، و كانت نهاية الجولة إخفاق الكيان الصهيوني. كانت هذه تجربة علی جانب كبير جداً لجماهير العالم تتعلق بإمكانية مقاومة الشعوب لعسف المتعسفين و جور الجائرين.

و قد وقعت العديد من الأحداث الأخری في المنطقة و في العالم نتجاوز ذكرها الآن. كما حدثت أمور مهمة علی مستوی البلاد منذ بدء السنة و إلی اليوم.

ابتدأ عام 87 بأخبار نووية سارة و اطلع شعب إيران علی أن شبابه و علماءه المتبحّرين الدؤوبين استطاعوا رغم صنوف الحظر العالمي إثبات تقدمهم في شؤون البلاد النووية، و تكريس قدرات الشعب الإيراني في أنظار العالم في مثل هذا المضمار المهم. و هذا ما أوجد قيمة و اعتباراً جديدين للشعب الإيراني في أنظار العالم لا في المجال العلمي و حسب بل في المجالات المختلفة الأخری أيضاً.

و قد تشكل مجلس الشوری الإسلامي في دورته الثامنة و الحمد لله، و صادق طوال السنة بالتعاون مع الحكومة المحترمة علی مشاريع جيدة و بادر إليها، و نتمنی أن يستمر هذا التعاون كما كان.

و أنجزت طوال العام و الحمد لله أعمال كبيرة أخری علی مختلف الصعد. ففي الميدان النووي تم في نهاية السنة تشغيل محطة بوشهر للطاقة بصورة مؤقتة و اختبارية، و كان هذا بحد ذاته خبراً مهماً و كبيراً، و هو بحد ذاته من نتائج التقدم الذي سجّله علماؤنا في الداخل و الذي أقنع العالم بأسره بتعذر سدِّ طريق التقدم النووي أمام الشعب الإيراني.

و في مضمار الشؤون العلمية تم إنجاز مشاريع كبيرة أخری يستدعي عدّها وقتاً طويلاً. و قد شهدت عن كثب مختارات من هذا التقدم العلمي و شاهدتُها في أحد المعارض عن قرب و كانت مثيرة للدهشة حقاً، حيث استطاع شبابنا الأعزاء و شعبنا الهميم المثابر إبداء تطور عميق في المجالات العلمية و إحباط الإعلام الذي انهال من كل حدب و صوب ضد الثورة طوال ثلاثين عاماً.

و كان من جملة نماذج هذا التطور العلمي و التقني إطلاق القمر الصناعي ( أميد ) و الذي مثل الخطوة الأولی من هذا المشروع الكبير الذي وضع البلاد في عداد بلدان قليلة جداً في العالم تتوفر علی هذه التقنية، و لفت أنظار العالم إلی إيران، و أثبت أن الشعب الإيراني يغلي و ينمو من الداخل، و لا حدود لقدراته علی التقدم إلی الأمام.

و علی مستوی الشؤون الاقتصادية يجب أن أقول لشعبنا العزيز إنه علی الرغم من الموجة الهائلة و الطوفان المدمّر للركود الاقتصادي و الأزمة الاقتصادية في العالم، و رغم أنواع الحظر المفروضة ضد إيران بسبب قضية الطاقة النووية و غيرها من القضايا، فقد استطاع مسؤولو البلاد التغلب علی هذه الموجة و السيطرة إلى حد كبير على تبعاتها و آثارها السلبية و الحؤول دون أن يقع شعبنا فريسة لهذه الموجة الهائلة التي سببت الكثير من المشكلات للعديد من البلدان، فقد وقف شعبنا على قدميه و سوف يزداد ازدهار تقدمه الاقتصادي يوماً بعد يوم إن شاء الله فيضاعف من فرحة الشعب و يخلق إن شاء الله فرصاً و إمكانيات لمزيد من التطور في المجالات المتنوعة.

و كما تلاحظون فإن سنة الإبداع والازدهار(1) كانت مصحوبة لحسن الحظ بإبداعات كثيرة و ازدهار لافت. حيث تسنّي تطبيق هذا الشعار و تفعيله بشكل كامل في مرحلته التمهيدية. و بالطبع ليس الإبداع و الازدهار مما يختص بهذه السنة، إذ علينا في المستقبل و السنوات الأخرى أيضاً متابعة هذا الخط بكل جد و اهتمام، و سنبلغ إن شاء الله الموقع اللائق بشعب إيران على مستوى الشؤون العلمية و التقنية.

و السنة الحالية التي تبدأ منذ هذه اللحظة سنة مهمة نتمنى أن يستطيع الشعب الإيراني خلالها التغلب على حوادثها المختلفة بقدراته النابعة من إيمانه بالله، و أن يُنهي لصالحه إن شاء الله كافة الأحداث التي قد تقع طوال العام في العالم و المنطقة و البلاد.

ما أقوله لشعبنا العزيز هو أننا قرأنا في دعاء بداية السنة: يا محوِّل الحول و الأحوال، حوِّل حالنا إلى أحسن الحال. هذه هي الإرادة الإلهية، غير أن مساعي الشعب الإيراني و مساعي كل واحد منّا ضرورية بلا أدنى مراء، و هي الأرضية اللازمة لاستنزال اللطف و الرحمة الإلهيين. علينا عقد الهمّة لتحويل أحوالنا، و تحسين حياتنا، و أذهاننا، و قلوبنا، و دنيانا و آخرتنا. هذا واجب كل واحد من أبناء الشعب الإيراني. هناك مساحة واسعة و هائلة جداً من الأمور المعنوية و الدينية و الذهنية للإنسان وصولاً إلى الحقائق الخارجية، و ما نواجهه في حياتنا اليومية و الشخصية و الاجتماعية مُدرجةٌ تحت هذا الأمر الإلهي الكبير الذي نكرّر كل سنة في هذا الدعاء الشريف: حوِّل حالنا إلى أحسن الحال.

اكتفى بنموذج واحد فقط و أعدُّه مصداقاً بارزاً لتحويل أحوالنا و أطرحه عليكم أيها الشعب العزيز. إننا على صعيد الاستهلاك و إنفاق مصادر البلاد المالية التي نوفرها ببالغ الجهد بأنفسنا و بواسطة مساعي كافة إخواننا من أبناء بلدنا و مسؤولي البلاد، نواجه نوعاً من اللامبالاة التي ينبغي تبديلها إلى مبالاة و اهتمام خاص. إننا نعاني الإسراف و البذخ و الانفلات الاستهلاكي. و هذا ما سوف أوضحه في كلمتي لجماهير شعبنا العزيز في بداية العام إن شاء الله. لكنني أقول اليوم فقط إجمالاً أن الكثير من مصادر البلاد، و ربما أمكن القول إن قسماً مهماً من مصادر البلاد تنفق على إسرافنا و تمادينا في الاستهلاك في المجالات المختلفة سواء على صعيد الأمور الشخصية أو - إلى حد ما - الأمور العامة. علينا إدارة الاستهلاك بنحو عقلاني مدبّر. الاستهلاك لا من وجهة نظر الإسلام فقط بل من منظار جميع عقلاء العالم شيء يجب أن يخضع لسيطرة العقل، و لا يمكن إدارته بالأهواء و النزوات و تمنيات القلب و ما تمليه نفس الإنسان على الإنسان. إذ ستصل الحال إلى حيث إهدار مصادر البلاد و تفاقم الهوة بين الفقراء و الأغنياء، فيبقى البعض يتحسّرون على أوّليات الحياة و يهدر البعض المصادر و يُِتلفونها ببذخهم و انفلاتهم في الاستهلاك. علينا إصلاح نموذج الاستهلاك و السير صوب إصلاح نموذج الاستهلاك. على مسؤولي الحكومة و مسؤولي البلاد بالدرجة الأولى سواء في السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية أو سائر مسؤولي البلاد، في السلطة القضائية و سواها، أو الأشخاص و الشخصيات في المراتب الاجتماعية المختلفة من أبناء الشعب الفقراء أو الأغنياء، عليهم الاهتمام بهذا المبدأ ألا و هو إصلاح نموذج الاستهلاك. هذا النوع من الاستهلاك في كافة مجالات الحياة و التمادي و الاستهلاك غير المنضبط و غير المنطقي و البعيد عن التدبير العقلاني يضرّ بالبلاد و يضر بنا جميعاً كأفراد و أشخاص. إنني أطلب و أرجو من عموم الشعب و لا سيما المسؤولين مضاعفة نشاطهم خلال هذا العام على هذا الصعيد، و أن يخططوا و يبرمجوا لإصلاح نموذج الاستهلاك، و لذلك أرى أن هذا العام هو عام حركة الشعب و المسؤولين نحو إصلاح نموذج الاستهلاك، و أتمنى أن يكون هذا العنوان، أي إصلاح نموذج الاستهلاك، ورقة عملنا جميعاً.. يجب علينا جميعاً العمل للبلاد وفق هذا الشعار المهم و الحيوي و الأساسي و استخدام مصادر البلاد على أحسن وجه.

نحيّي ذكرى إمامنا العزيز الكبير، و ذكرى شهدائنا الأعزاء، و أحيّي مرة أخرى جميع أبناء الشعب الإيراني و أبارك لهم.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 

الهوامش:

1- سمّی سماحة الإمام الخامنئي العام الإيراني الماضي 1387 بعام الإبداع و الازدهار.

كل أبناء الشعب يجب أن نبرمج و نسير في السنة الجديدة علی سبيل تحقيق هذا الشعار الحيوي و الأساسي المهم أي « إصلاح النموذج الاستهلاكي في جميع المجالات »

 

 

 

 

صفحه نخست | سازمان | آرشيو اخبار | نقشه سايت | ارتباط با ما | جستجو
Valid XHTML 1.0 Transitional
Valid CSS